الفضول رفيقك الرائع بعد التقاعد


الفضول رفيقك الرائع بعد التقاعد

بقلم : دلال عبدالرزاق مدوه

ينظر الناس بصورة عامة إلى “الفضول” على أنه صفة مذمومة وغير مستحبة، لأنها ارتبطت في أذهانهم بالشخص المتطفل على حياة الآخرين، والذي يحشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة، فيراقب تصرفات الناس، وحياتهم الشخصية عن قرب، ويحب متابعة أخبارهم ومعرفة أحوالهم بالتفصيل.

ولكن الفضول صفة جميلة ومحمودة إذا تم توجيهها بصورة صحيحة، لتصبح وسيلة رائعة لاكتشاف المزيد عن النفس، والاهتمامات، والهوايات، والقدرات، والمهارات؛ لأن الإنسان الفضولي يكون لديه نهم شديد للمعرفة، فيسعي بكل جدية ونشاط للبحث والاطلاع، وتعلم كل ما هو جديد، في كثير من المجالات، لإشباع فضوله المتزايد…

وهكذا يمكنكِ استغلال صفة الفضول بصورة إيجابية، للتركيز على معرفة ذاتك، والتعمق في أحوالها، وفهمها بصورة أكبر، وملاحظة سلوكك وتصرفاتك، وتحليل أفكارك ومشاعرك، والتعرف على نقاط قوتك، ومواطن ضعفك، وتعلم الكثير من الأمور والمهارات، وخوض العديد من التجارب الثرية والممتعة.

كما يُعد الفضول أحد ملامح الشخصية الشغوفة والمفعمة بالحياة، والتي تعتبر من دلائل الصحة النفسية، لأن الشغف بالحياة يدل على وجود أهداف مهمة، ذات معاني واضحة، وغايات محددة يسعي لها الإنسان، لذا قد يكون الفضول بمثابة الشرارة التي قد تشعل حماسكِ للمشاركة في أنشطة تساعدك لتحقيق أهدافك، والوصول إلى غاياتك، وتغيير حياتك.

قد يهمك: أفضل (10) أشياء سوف تحبينها في التقاعد

والتساؤل المطروح هنا هو: كيف يمكنك البقاء فضولية بعد التقاعد؟

يقول المخطط والمحلل المالي المحترف “آرون تيرويدو” Aaron-Terwed :غالبًا ما ينظر المجتمع إلى التقاعد باعتباره المرحلة النهائية في سباق الحياة، لذا عندما تكونين مستعدة للتقاعد، قد تشعرين أنكِ وصلتي إلى نهاية السباق.

ولكن ماذا بعد خط النهاية؟

إن التقاعد ليس خط النهاية في سباق حياتك

وقبل الاجابة على هذا السؤال علينا توضيح الأمر بمثال…

لنفترض أنكِ قررتي المشاركة في “سباق المارثون”، وقبل انطلاق السباق تكون هناك الكثير من التحضيرات سواء للأفراد، أو لمنظمي الحدث، وبصفتك متسابقة، قد تقضين الشهور و(أحياناً السنوات) في الجري والتدريب، كما تقومين باتباع نظام غذائي معين، مع الحصول على قسط كافي من النوم، وممارسة التمارين اليومية، حتى تكوني مستعدة عندما يحين يوم السباق.

وكذلك يقوم منظمي “سباق المارثون” بالتخطيط له مسبقاً؛ من خلال تحديد موقع السباق، ومساراته، والحصول على التصاريح اللازمة، والتنسيق مع مختلف الجهات، ووضع أكشاك الأطعمة والمشروبات، وتجهيز مدرجات الجمهور، ومنصة تتويج الفائزين، وتوفير المداليات والجوائز، وكافة التجهيزات اللازمة، وعمل الدعاية والإعلان في وسائل الاعلام المختلفة،… وغيرها الكثير من المتطلبات.

والآن تخيلي أنكِ قمتِ بالاستعداد للسباق، وانطلقتِ، من نقطة البداية، وركضتي بكل قوة، وبعد جهد كبير، وجري لمسافة طويلة، وصلتي ثم لم تجدي تلك التجهيزات، والاستعدادات المتوقعة عند خط النهاية…ألن تصابي بخيبة أمل؟

ضعي خطة وأستعدي حتي لاتصابي بخيبة أمل عندما يحين التقاعد

وكما هو الحال في التخطيط للسباق، فإن عليكِ وضع خطة مسبقة للتقاعد، حتى لا تشعري بخيبة الأمل؛ عندما يحين وقت تقاعدك، ولا يكون هناك شيء ما في انتظارك.

وينصحكِ “آرون” بضرورة إنشاء خطة تقاعد مرنة؛ يمكنها أن تتغير وتتكيف عند ظهور فرص جديدة، بحيث يكون تقاعدكِ نشط، وحافل بفرص التطور والنمو.

كما يشيرإلى أن بناء أسلوب مُرْضي لحياتك بعد التقاعد، يحتاج للكثير من الوقت، والجهد، والتجربة والخطأ؛ ولكن من حسن الحظ أن هناك أداة سهلة يمكن أن تساعدك، وتختصر عليكِ الكثير، وهي “القائمة الفضولية”.

قد يهمك: كيف تتحررين من مخاوف التقاعد؟ (5) خطوات عملية للتقاعد السعيد

أصنعي قائمتك الفضولية

حتى تعيشي نمط حياة فضولي؛ عليكِ الاستمرار في القيام بأشياء جديدة ومختلفة، و“القائمة الفضولية هي أداة بسيطة تتيح لكِ ذلك، فهي تمنحكِ مساحة للتفكير في الأنشطة، أو الأحداث التي تبدو رائعة من وجهة نظركِ، وميزتها أنها لا تضغط عليكِ، فهي ليست قائمة مهام تجبرك على تنفيذها، بل هي طريقة يمكنك من خلالها تجربة مختلف الأشياء – الكبيرة والصغيرة – التي تجذب اهتمامك.

والآن خذي بعض الوقت وفكري في الأمور التي تثير فضولك…

وسوف تساعدكِ الأسئلة التالية على معرفة ذلك…أسألي نفسكِ؟؟؟

ماذا أود أن أتعلم؟

هل هناك أنشطة لم أقم بها وأود تجربتها؟

ما هي الأشياء التي أفعلها وتجعلني لا أشعر بمرور الوقت؟

ما هي المهارات التي أريد تنميتها وتطويرها؟

وبمجرد أن تبدئي في طرح الأسئلة، سوف يفيض عقلكِ بالإجابات...

والأمثلة كثيرة ومتنوعة…

قد يهمك: التدريب بعد التقاعد فرصة ذهبية وخيارات تعلم لانهائية

فربما كنتي ترغبين في تعلم لغة ثانية… رائع ضعيها في القائمة الآن!!!

وهذا لا يعني أنكِ يجب أن تتحدثي تلك اللغة بطلاقة خلال (6 شهور)؛ ولكنها ببساطة طريقة لتوثيق الأمور التي تثيرك، وترغبين في تجربتها.

 ربما ستتابعين بعض الأشياء في هذه القائمة، وقد تحذفين بعضها، وأحياناً تقودك العناصر الموجودة في قائمتك إلى أفكار أخرى ذات صلة، ربما تناسبك بشكل أفضل.

لنفترض أنك كنتي فضولية بتصميم الأزياء، لكنك اكتشفتِ حُبك للديكور وتنسيق الاثاث والاكسسوارات المنزلية، وهكذا ستجدين أن اهتمامك بأحد العناصر قد يقودك إلى عنصر آخر؛ فهي دورة مستمرة…

ومهما كانت النتيجة التي تصلين إليها فلا شك أنها ستكون تجربة رائعة…

قد يهمك: كيف تكتشفين أحلامك بعد التقاعد؟

القائمة الفضولية تتيح لك ِالقيام بتجارب فريدة وجديدة

تذكري !!!

ان قائمتك الفضولية ليست أداة لتقييدك، بل هي بمثابة “عصف ذهني”، هل تذكرين عندما كنتي تقومين بالعصف الذهني للحصول على أفكار جديدة للعمل؟

بعضها كان جيد وقابل للتطبيق، والبعض الآخر غير مناسب ولا يمكن تنفيذه، أو قد يحتاج للتعديل والتطوير من أجل القيام به !!!

لذا بغض النظر عن الأفكار التي تحصلين عليها، أقبليها، وضعيها في قائمتك، ثم شجعي نفسك للقيام بها، لأنكِ لا يمكن أن تعرفي أبداً إلى أين يمكن أن تأخذك…

وسوف تساعدك قائمتك الفضولية في منحك الدافعية التي تحتاجينها، لتجربة أشياء مختلفة، وقد تفتح لكِ الباب على تجارب فريدة، وتمنحك الحماس، والتطلع إلى فعل أشياء جديدة عند تقاعدك.

مقالات ذات صلة:

أربطي فضولك بهويتك الجديدة

ما الذي يخطر في بالك عندما تفكرين في هويتك؟ 

قد تكون الأشياء التي تفعليها في العمل، أو الهوايات، أو الاهتمامات، أو الأشخاص الذين تقضين وقتك معهم، والقيم التي تعيش بها،… وغيرها. 

وبالنسبة للعديد من الأشخاص، تُعد حياتهم المهنية جزءًا مهمًا من هويتهم، لذا عندما يختفي هذا الجزء من حياتهم، يكون لديهم فراغ كبير.

وإحدى الخطوات الرائعة من أجل تعبئة هذا الفراغ هي: التركيز على اهتمام معين…

لذا أنظري إلى قيمك واسألي نفسك؟؟؟

ما هي قيمي الأساسية؟

كيف تعكس هذه القيم نمط حياتي الحالي؟

هل هناك أشياء أفعلها لا تتوافق مع قيمي؟

كيف يمكنني غرس هذ القيم في نمط حياتي التقاعدية؟

قيمك هي نقطة الانطلاق لحياتك التقاعدية بأكملها، لذا عليكِ أن تستفيدي من وقتك، وتقومي باستغلاله في أشياء تعزز قيمك، وتجعلكِ تشعرين بالرضا والسعادة…

قد يهمك: قواعد مهمة لصناعة هويتك الجديدة بعد التقاعد

حددي قيمك المهمة وأعكسيها على حياتك

فعلى سبيل المثال: قد تتضمن قائمة قيمك الأساسية: الاهتمام بالأسرة، وحب الخير، والتعلم مدى الحياة.

وبمجرد أن يكون لديكِ تلك القائمة، فكري في الأشياء التي تثير اهتمامك، ضمن كل نوع من القيم…

مثلاً: قد ترغبين في قضاء المزيد من الوقت الممتع مع عائلتك، لأنك تقدرين “قيمة الاهتمام بالأسرة”، أو ربما تريدين المشاركة في عمل تطوعي لأن لديكِ “قيمة حب الخير”، أو أنك متحمسة للحصول على شهادة عليا، لأنك مهتمة بـ “قيمة التعلم”…وغيرها.

ضعي قائمة بكل الأشياء التي تثيرك بشأن هذه القيم، وأكتبي مقابلها ماذا تعني لكِ؟ ولماذا تعتبرينها مهمة في حياتك؟ 

وهكذا عندما تربطين قائمتك الفضولية بقيمك، فأنت تعلمين بأنك ستقضين وقتك بشكل هادف ومدروس.

قد يهمك: التقاعد… قليل من الجد واللعب كثير من الحب والحنان

أربطي إهتماماتك بقيمك لقضاء وقت هادف وممتع

أعيدي تعريف نجاحك

كل شخص لديه تعريف مختلف للنجاح وغالباً ما يتغير بمرور الوقت، ففي أثناء العمل يربط كثير من الناس بين النجاح والإنتاجية والإنجازات؛ وهو أمر منطقي!

فعندما كنتي تعملين، كان لديكِ مثلا: تقييمات للأداء، وملاحظات من الرؤساء، ومواعيد للتقارير، ومشاريع مطلوبة، وتعليقات من العملاء والموردين، وغيرها من المقاييس والمؤشرات، مما يوفر لكِ معايير واضحة للنجاح، إذا لم تحققي أهدافك.

فقد يتأخر إنجازكِ للمشروع المطلوب منكِ في الوقت المحدد، لكنك إذا قمتي بتسليمه قبل الموعد، فقد تكونين في طريقك للحصول على مكافأة أو ترقية…

وهكذا نجد أنه في عالم الأعمال، هناك ارتباط مباشر بين الإنتاجية والنجاح… 

لكن في التقاعد، فالقواعد ليست واضحة تمامًا، وبدون معايير ملموسة، قد يكون من الصعب على الأشخاص تحديد “مؤشرات النجاح” لخطة تقاعدهم. 

لذا يتبادر إلى الذهن عدة تساؤلات لتعريف معني النجاح بعد التقاعد؟؟؟

هل يعني الراحة والاسترخاء؟ 

يعتقد بعض الناس أنهم عملوا بجد طوال حياتهم، ويمكنهم الآن قضاء وقتهم بالكامل في الراحة والاستجمام، واستعادة طاقتهم المفقودة؛ بعد سنوات الخدمة الطويلة، والعمل المتواصل. 

فإذا سألتيهم عن معني النجاح بعد التقاعد بالنسبة لهم؟ فإن إجابتهم ستكون بكل قوة “نعم للراحة والاسترخاء”

أم يعني الانشغال بشيء ما؟

أما إذا سألتي مجموعة أخري من الناس عن ذلك، فإنهم يشعرون بالملل والخمول بعد التقاعد، ولديهم إحساس مستمر بالقلق من “عدم فعل شيء”، قد يؤدي إلى انخفاض في تقدير ذواتهم، لذلك يحتاجون إلى وضع خطة تجعلهم مشغولين.

والآن حان الوقت للتفكير في السؤال المهم ؟؟؟

كيف ستبدو سنة التقاعد الناجحة بالنسبة لكِ؟

قد يهمك: (4) خطوات مهمة من أجل تقاعد مريح

فكري! ماذا يعني لكِ النجاح بعد التقاعد؟

ضعي خطة لتقاعدك

خذي بعض الوقت للتفكير فيما يعنيه ذلك بالنسبة لكِ، ربما تحتاجين في البداية إلى رحلة سفر طويلة تتجولين خلالها بين عدة دول!!!

أو قد ترغبين في الحصول على قليل من الاسترخاء، مع وضع جدول زمني للقيام بعدة أمور ممتعة…

قومي بإخراج قائمتك الفضولية”، وحددي الاشياء المثيرة لاهتمامك، والتي ترغبين بتجربتها، وضعيها ضمن جدول أولوياتك، وتذكري ان تختاري الأنشطة التي تتوافق مع قيمك الأساسية، وذلك من أجل منحها المعني، والاهتمام الكافي.

تذكري !!!

لقد استثمرتي الكثير من الوقت والجهد والمدخرات للاستعداد للتقاعد، لذا أنتِ مدينة لنفسك وأحبابك، بتخصيص نفس الطاقة المبذولة سابقاً لحياتك المستقبلية بعد التقاعد…

يجب ان يكون تقاعدك سعيداً وممتعاً، وأن يمنحك إحساساً بالراحة والسرور، وعدم الشعور بالألم أو الندم على الماضي، خذي وقتك للتفكير، والتحضير، والاستعداد لاستكشاف الأمور التي تجعلكِ تشعرين بالفضول تجاه نفسك، والحياة بشكل عام.

وإليك مجموعة من الأسئلة التي قد تساعدك في التفكير والحصول على إجابات مهمة:

إذا لم يكن المال مشكلة بالنسبة لكِ… ما هي الأشياء التي سوف تفعلينها؟

لماذا تريدين القيام بهذه الاشياء؟

ما هي الخطوات التي ستفعلينها لتحقيق ذلك؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s